مكلارين١٬٠٠٠ قصة ٦٠ سنة من فورمولا ١ تكتمل في موناكو الأسبوع الماضي
- فياض الفضل Fayadh Alfadhul
- 8 يونيو
- 6 دقيقة قراءة

مقدمة: المحطة ١٬٠٠٠ في تاريخ مكلارين
في الثاني والعشرين من مايو ١٩٦٦، خرج رجل نيوزيلندي اسمه بروس مكلارين من غرفة فندقه في موناكو، ركب سيارة بيضاء بشريط أزرق صنعها بيديه، وانطلق في أول قراند بري لفريق يحمل اسمه. عشر لفّات فقط، ثم تسرّب الزيت، وخرج بروس وكل جسده مغطّى بزيت ساخن. لم يكن يدري وقتها أنه يكتب أول سطر في حكاية ستمتد ستين سنة كاملة، وأن فريقه سيعود إلى الحلبة نفسها بعد ألف سباق ليحتفل بأنه ثاني فريق في تاريخ الفورمولا ١ يصل إلى هذا الرقم، بعد فيراري وحدها.
الأسبوع الماضي، في عطلة ٥-٧ يونيو ٢٠٢٦، خاضت مكلارين سباقها رقم ١٬٠٠٠ على نفس الإسفلت الذي بدأت منه عام ١٩٦٦. شفنا الفريق يعبر هذه العتبة أمام أعيننا. ليفري ذهبية باباياوية خاصة على سيارتي MCL40 للاندو نوريس وأوسكار بياستري، مرسومة بمواد ميتاليك وأنثراسيت تعكس عمق الأرشيف. وعلى خط البداية يوم الخميس، اصطفّت سيارة M2B الأصلية (مملوكة اليوم لرجل الساعات السويسري ريشار ميل)، تلك التي قادها بروس بنفسه، بجوار سيارة الجيل الجديد. أحد عشر فائزاً سابقاً مع مكلارين حضروا اللحظة، بدعوة شخصية من زاك براون وأندريا ستيلا. ألف سباق، ٦٠ سنة، عشر بطولات صانعين، وثلاث عشرة بطولة سائقين. هذه قصة فريق يستحق أن نروي حكايته كاملة، من زاوية خليجية، بصوت من شاف هذه الرياضة تكبر معه.
بروس مكلارين والبداية في موناكو ١٩٦٦

بروس مكلارين لم يكن مجرّد سائق. كان مهندساً، وميكانيكياً، ورجل أعمال، وحالماً قبل كل شيء. وُلد في أوكلاند بنيوزيلندا عام ١٩٣٧، وأصيب في طفولته بمرض في الورك أبقاه على السرير لسنتين، فخرج منهما برِجل أقصر من الأخرى وبشهية لا تُشبَع للسرعة. في عام ١٩٥٩، وهو ابن اثنين وعشرين سنة، صار أصغر فائز في تاريخ الفورمولا ١ بقراند بري الولايات المتحدة، رقم قياسي صمد ٢٠ سنة.
لكن بروس أراد أكثر من القيادة. أراد أن يبني سياراته بنفسه. أسّس فريق Bruce McLaren Motor Racing عام ١٩٦٣، وأنتج سياراته الأولى لسباقات المسافات والكان-آم قبل أن يدخل الفورمولا ١. في موناكو ١٩٦٦، ظهرت M2B إلى الوجود. شاسيه من صفيحتين من الألمنيوم بينهما طبقة من خشب البلسا، ومحرّك V8 من فورد بسعة ٤٫٢ لتر مُخفَّضة لتناسب لوائح الفئة الجديدة. السيارة طُليت بالأبيض مع شريط أزرق، لا للهوية الوطنية، بل لأن منتجي فيلم Grand Prix الهوليوودي كانوا يدفعون للفرق ليصوّروا سياراتهم بألوان السينما.
النتيجة كانت قاسية: عشر لفّات، ثم انسحاب. لكن المهم أن البداية حصلت. وبعد أربع سنوات، في يونيو ١٩٧٠، مات بروس وهو يختبر سيارته في حلبة قودوود البريطانية. كان عمره اثنتين وثلاثين سنة. الفريق كاد ينهار، لكن تيدي ماير أمسك بالدفّة وأكمل الطريق. اسم بروس بقي على السيارات. ولم يغب عن البودياتها لستين سنة بعدها.
السنوات الذهبية الأولى: فيتيبالدي، هانت، لاودا، بروست
أول بطولة سائقين جاءت عام ١٩٧٤ على يد البرازيلي إميرسون فيتيبالدي بسيارة M23. ومعها أول بطولة صانعين في تاريخ الفريق. كانت لحظة تثبيت: مكلارين بعد بروس لم تكن نسخة ذابلة من حلم رجل واحد، بل مؤسّسة قادرة على الفوز.
عام ١٩٧٦ جاء جيمس هانت، الإنجليزي الوسيم العاصف، بأسلوب حياته البوهيمي وموسمه الأسطوري ضد نيكي لاودا. تلك السنة التي صوَّرها رون هاوارد لاحقاً في فيلم Rush، انتهت بهانت بطلاً بفارق نقطة واحدة، بعد حادثة لاودا الكارثية في نوربورقرنق وعودته المعجزة بعد ستة أسابيع وحروقه لا تزال طازجة.
ثم جاء العقد الذهبي الحقيقي. عام ١٩٨١، انضم رون دينيس إلى الفريق وأحدث ثورة في طريقة عمله. سيارات MP4 الجديدة بشاسيهات الكاربون فايبر (أول استخدام في الفورمولا ١)، وفي ١٩٨٤ عاد نيكي لاودا نفسه ليفوز بالبطولة الثالثة في حياته مع مكلارين، بفارق نصف نقطة من زميله ألان بروست. الفرنسي بروست أخذ ثأره في ١٩٨٥ و١٩٨٦، ومعهما بطولتا صانعين متتاليتان. مكلارين دخلت أواخر الثمانينيات كأقوى فريق في القرية.
عصر سينا والقمة ١٩٨٨

ثم جاء سينا.
آيرتون سينا دا سيلفا، البرازيلي الذي يقود السيارة كأنه يصلّي. التحق بمكلارين عام ١٩٨٨ ليكوّن مع بروست الزوج الأقوى في تاريخ الفورمولا ١. مكلارين-هوندا. شاسيه MP4/4 من تصميم جون بارنارد وستيف نيكولز وغوردون موراي، ومحرّك Honda RA168E V6 توربو يولّد ٦٨٥ حصاناً.
النتيجة؟ ١٥ فوز من أصل ١٦ سباقاً. الخسارة الوحيدة في إيطاليا، يوم نُحرم سينا من فوز محقّق على بُعد لفّتين من النهاية بعد اصطدام مع متخلّف، فدخلت فيراري في يوم وفاة إنزو فيراري. ١٩٩ نقطة، رقم قياسي صمد سنوات. سينا ٨ انتصارات و١٣ بول بوزشن. بروست ٧ انتصارات. وفي النهاية، نظام التنقيط الذي يُكافئ الانتصارات أكثر من الاستمرارية
منح اللقب لسينا. كان أول لقب من ثلاثة له مع مكلارين (١٩٨٨، ١٩٩٠، ١٩٩١).

والعلاقة بينه وبين موناكو كانت قصّة وحدها. ٦ انتصارات في موناكو، ٥ منها بألوان مكلارين (١٩٨٩، ١٩٩٠، ١٩٩١، ١٩٩٢، ١٩٩٣). آخرها، فوز ١٩٩٣، صار رقماً قياسياً لم يكسره أحد حتى اليوم. وعام ١٩٩٢، حين كانت ويليامز-رينو تكتسح الموسم، نجح سينا في احتجاز نايجل مانسل خلفه في اللفّات السبع الأخيرة في موناكو وفاز بفارق ٢١٥ جزء من الثانية. صوّت جمهور الفورمولا ١ لاحقاً على ذلك السباق كأعظم فوز في تاريخ موناكو على الإطلاق.
سينا غادر مكلارين نهاية ١٩٩٣ متجهاً إلى ويليامز. وفي مايو ١٩٩٤ مات في إيمولا. لكن صورته في سيارة MP4/8 الحمراء والبيضاء بقيت محفورة في وعي كل من يحبّ هذه الرياضة. وفي شوارع موناكو، حيث بنى أسطورته، يصير اسم سينا ذكراً يتنفّس كلّما مرّت سيارة فورمولا ١ بمنعطف ميرابو أو دخلت إلى نفق فيرمونت.
حقبة هاكينن وعهد ميرسيدس (١٩٩٨-٢٠٠٧)
السنوات بعد سينا كانت قاسية. الفريق بحث عن هويّته بين ١٩٩٤ و١٩٩٧، ودخل في شراكة جديدة مع ميرسيدس وقتها كانت بالكاد عائدة إلى الفورمولا ١. الميركو ميكا هاكينن، السائق الفنلندي الهادئ بعينين باردتين، كان قد نجا بأعجوبة من حادث رهيب في أستراليا ١٩٩٥ أوقف قلبه ثوانٍ معدودة.
في ١٩٩٨ كل شيء التحم. سيارة MP4/13 من تصميم أدريان نيوي (المنضمّ حديثاً للفريق)، ومحرّك ميرسيدس قوي، وهاكينن في أفضل حالاته. بطولة سائقين وصانعين معاً. ثم تكرّر الإنجاز عام ١٩٩٩ مع لقب سائقين ثانٍ لهاكينن، رغم خسارة لقب الصانعين لفيراري. كانت تلك آخر بطولة صانعين قبل فجوة طويلة.
\

السنوات التالية شهدت معارك ضدّ شوماخر وفيراري، ثم وصول كيمي رايكونن وحقبة فرناندو ألونسو القصيرة المتفجّرة عام ٢٠٠٧. ذلك الموسم الكهربائي مع لويس هاميلتون الصاعد، انتهى بدراما تجسّس فيرراي وعقوبة المئة مليون دولار وخسارة بطولة الصانعين. هاميلتون بفارق نقطة عن البطولة الفردية أيضاً.
ثم في ٢٠٠٨ جاء التتويج: لويس هاميلتون بطل العالم في اللفّة الأخيرة من السباق الأخير في البرازيل، بمناورة على تيمو قلوك في المنعطف قبل الأخير. ١٣ بطولة سائقين لمكلارين. آخر بطولة فردية... قبل ١٧ سنة طويلة.
الكآبة بعد ٢٠٠٨: ٢٦ سنة بلا بطولة صانعين
بين ١٩٩٨ و٢٠٢٤، عاشت مكلارين أطول جفاف بطولات في تاريخها. ٢٦ سنة كاملة بلا بطولة صانعين. حقبة فاصلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
غادر هاميلتون إلى ميرسيدس عام ٢٠١٣ ليبدأ حقبته الأسطورية. مكلارين دخلت في شراكة كارثية مع هوندا (٢٠١٥-٢٠١٧) أنتجت محرّكات بلا قوّة وبلا ثقة، حتى أن ألونسو شُهر أمام العالم وهو يقول في الراديو "GP2 engine، GP2!" خلال قراند بري اليابان. سيارات تنسحب من السباقات بسبب الأعطال، وفريق كان قبل عقد واحد يصارع على البطولات صار يصارع للوصول إلى Q2.
عام ٢٠١٨ تبدّل المحرّك إلى رينو، وعام ٢٠٢١ إلى ميرسيدس. الإدارة تغيّرت، رون دينيس خرج، وتسلّم زاك براون رئاسة الفريق التجارية وأندريا ستيلا الإدارة الرياضية. الفلسفة كاملة احتاجت إلى إعادة بناء. مصنع جديد في ووكنق، عقلية جديدة، صبر طويل.
كانت أوقات قاسية على عشّاق الباباياوي. لكن البذرة كانت تُزرع.
عودة ٢٠٢٤ بنوريس وبياستري

عام ٢٠٢٣ بدا أن شيئاً ما يتحرّك. سيارة MCL60 جاءت ضعيفة في البداية، لكن تحديثات منتصف الموسم حوّلتها إلى ثاني أسرع سيارة في القرية. لاندو نوريس بدأ يقاتل في المقدّمة بانتظام، والمواهب الأسترالية الصاعدة أوسكار بياستري أثبتت أنها استثمار طويل المدى.
وفي ٢٠٢٤ انفجر كل شيء. MCL38 كانت الأسرع في القرية لمعظم الموسم. نوريس فاز بأول قراند بري في حياته في ميامي، وبياستري حقّق انتصاره الأول في المجر. حلبة بعد أخرى، نقطة بعد أخرى، وفي ختام الموسم في أبوظبي، انتزعت مكلارين بطولة الصانعين من فيراري في آخر سباق. ٢٦ سنة من الانتظار انتهت. الدموع جرت في المرآب الباباياوي. زاك براون قبَّل الكأس كأنه يقبّل ابنه.

ثم جاء ٢٠٢٥ ليُثبت أن ٢٠٢٤ لم تكن صدفة. مكلارين كرّرت بطولة الصانعين (العاشرة في تاريخها)، ولاندو نوريس صار بطل العالم للسائقين (الثالث عشر في عدّاد مكلارين). البريطاني الذي عاش جيلاً كاملاً في ظلال هاميلتون وفيرستابن، صار اسماً ينطقه الجميع. وبياستري الهادئ بعقل المحلّل صار الزميل الأكثر هدوءاً وخطورة في القرية. الفريق الذي بدأ مع بروس مكلارين قبل ستين سنة، عاد إلى القمّة.
الزاوية الخليجية: مكلارين بحرينية،
ربما كثير من القراء ما يعرف، لكن مكلارين فريق خليجي. نعم، بحريني تحديداً. منذ عام ٢٠٠٧، دخل صندوق ممتلكات البحريني السيادي مالكاً في مكلارين قروب. وعبر السنين، ارتفعت حصة ممتلكات حتى صارت البحرين الشريك الأكبر والمسيطر فعلياً على القرارات الإستراتيجية للفريق.
والرجل الذي وقف وراء هذا كلّه؟ سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي عهد البحرين . هو الرؤية. هو من دفع الفريق للخروج من نفق ٢٦ سنة بدون بطولة. هو من أصرّ على إعادة هيكلة كاملة. هو من اختار القيادات الجديدة، وأمسك بزمام الإصرار على أن مكلارين تستحق أكثر من الظل.
في ٢٠٢٤، عادت بطولة الصانعين إلى ووكينق. لكن المسيرة بدأت من المنامة. وفي ٢٠٢٥، البطولة المتتالية ما كانت صدفة، كانت قراراً مدروساً ورؤية بعيدة المدى. ثم جاءت موناكو ٢٠٢٦ والمحطة رقم ١٬٠٠٠. ستون سنة من تاريخ مكلارين، آخر عقدين منها بصمة بحرينية واضحة.
نحن في الخليج كنّا أطفالاً نتفرّج على سينا وبروست في صحف الثمانينيات. شبابنا اقترن بمعارك هاكينن وشوماخر في التسعينيات. تشرّبنا حقبة هاميلتون في الألفينات، وحضرنا بأنفسنا قراند بري البحرين منذ ٢٠٠٤، أبوظبي منذ ٢٠٠٩، والسعودية منذ ٢٠٢١. شفنا سيارات مكلارين تمرّ أمام أعيننا في صخير وياس وقدية. لكن في موناكو ٢٠٢٦، عند المحطة ١٬٠٠٠، اللحظة كانت لنا بشكل خاص. لأن هذا الفريق صار جزءاً من قصتنا، ونحن جزء من قصته.
ألف سباق. ١٠ بطولات صانعين. ١٣ بطولة سائقين. ٦ انتصارات لسينا في موناكو، ٥ منها بهذه الألوان. ١٥ من ١٦ في موسم ١٩٨٨. ٢٦ سنة من الانتظار، ثم بطولتان متتاليتان بقيادة بحرينية. ستون سنة من القصص. وقصة جديدة، عنوانها: مكلارين الخليجية.
تنويه: المعلومات في هذا المقال مجمَّعة من مصادر علنية موثوقة (mclaren.com, formula1.com, racefans.net, motorsportmagazine.com, wikipedia). الإحصاءات محدَّثة لتاريخ النشر ٨ يونيو ٢٠٢٦. شبكة فياض @he_drives غير تابعة لمكلارين أو الفورمولا ١، والمقال للأغراض المعلوماتية والترفيهية.




تعليقات