top of page

ساعة لويس موانيه ميموريس: الكرونوغراف الذي كشف آلته للعالم

صورة الكاتب: فياض الفضل Fayadh Alfadhul
فياض الفضل Fayadh Alfadhul
قبل ساعتين
4 دقيقة قراءة

ساعة لويس موانيه ميموريس بعلبة الذهب الوردي وآلية الكرونوغراف المكشوفة

اضغط على الزر مرة واحدة، وستشهد شيئاً لا تشهده أي ساعة أخرى في تاريخ صناعة الساعات. ستة أعمدة صغيرة تبدأ بالدوران أمام عينيك مباشرة، كل عمود يدفع رافعة إلى مكانها في تتابع دقيق، فيما إبرة الكرونوغراف تنطلق من نقطة الصفر بلا تأخير. لا زجاج يحجب المشهد، ولا غطاء يخفي التفاصيل، ذلك أن النصف العلوي من ميناء الساعة، ببساطة، غير موجود. هذا ما تفعله دار لويس موانيه (Louis Moinet) في ساعة ميموريس (Memoris)، وهذا بالضبط ما جعلها واحدة من أجرأ الساعات التي صُنعت في القرن الحادي والعشرين.


في عالم صناعة الساعات الفاخرة، القاعدة غير المكتوبة تقول إن الآلية تُخفى. ظهر العلبة (الكيس باك) الشفاف كان أقصى ما يُسمح للمالك برؤيته، وحتى ذلك يأتي كامتياز حديث نسبياً. لعقود طويلة، كانت كل الحركة الداخلية، من التروس والرافعات والنوابض، أسراراً محبوسة خلف ميناء مصمت. ميموريس قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب: بدل أن تخفي أكثر أجزاء الساعة إثارة، وضعتها في الواجهة، حرفياً.


دار تحمل رقماً قياسياً من موسوعة غينيس


قبل الحديث عن الساعة نفسها، لا بد من فهم لماذا تحمل لويس موانيه هذا الاسم بالذات. الدار سُمّيت تيمناً بمؤسسها التاريخي لويس موانيه، صانع الساعات الفرنسي الذي عاش في القرن التاسع عشر، والذي تُنسب إليه واحدة من أهم اللحظات في تاريخ قياس الزمن: في عام ١٨١٦، صنع أداة أطلق عليها اسم "عدّاد الثلث" (Compteur de Tierces)، قادرة على قياس الزمن حتى جزء من ستين من الثانية، بتردد وصل إلى ٢١٦ ألف اهتزازة في الساعة، وهو رقم لم تكن الساعات التقليدية في عصره تقترب منه.


بعد سنوات من التحقيق والمراجعة التي استمرت نحو ستة أشهر، شملت فحص الرسومات التقنية والوثائق التاريخية وشهادات خبراء مستقلين، منحت موسوعة غينيس للأرقام القياسية الدار لقب "أول كرونوغراف في التاريخ" رسمياً في يونيو ٢٠١٦، إلى جانب لقب ثانٍ هو "أول ساعة إيقاف عالية التردد". هذا لقب ممنوح من غينيس بعد تحقيق مستقل، لا إجماعاً تاريخياً قاطعاً بين كل مؤرخي الساعات، فبعض المراجع التقليدية كانت تنسب اختراع الكرونوغراف إلى نيكولا ريوسيك عام ١٨٢١ لصالح الملك لويس الثامن عشر. لكن اعتراف غينيس الرسمي أعطى موانيه سنداً موثقاً منح الدار مكانة "الرائد" في هذا التاريخ، وهو ما تستحضره كل ساعة تحمل اسمها اليوم، وعلى رأسها ميموريس.


كرونوغراف يُعرض بدل أن يُخفى


كاليبر LM54 من لويس موانيه بآلية الكرونوغراف المكشوفة وعجلة الأعمدة الست

ميموريس ليست مجرد ساعة كرونوغراف بعقارب توقيت إضافية على الميناء، بل إنها إعادة تعريف كاملة لمكان الآلية داخل الساعة. صمّم مهندسو الدار كاليبر (عيار الحركة) حصرياً لهذا المشروع، أُطلق عليه LM54، وقسّموا مكوناته إلى طبقتين منفصلتين تماماً: طبقة سفلية مخصصة للحركة الأوتوماتيكية الأساسية (احتساب الوقت وتعبئة النابض)، وطبقة علوية مستقلة بالكامل مخصصة لعرض آلية الكرونوغراف وتشغيلها.


الرقم الذي يلخّص طموح هذا المشروع هو ٣٠٢، إجمالي عدد مكونات الكاليبر بأكمله. من بين هذا الرقم، خصّصت الدار ١٤٧ مكوناً حصرياً لعرض الكرونوغراف وحده على سطح الميناء، بينما توزّعت الـ ١٥٥ الباقية على الحركة الأوتوماتيكية المخفية أسفل الصفيحة. بعبارة أخرى: نصف مكونات الساعة تقريباً وُجدت لغرض واحد فقط: أن تراها وهي تعمل.


في قلب هذا العرض يقف عجلة الأعمدة (كولن ويل) ذات الأعمدة الستة، المكوّن الميكانيكي الذي يتحكم تقليدياً بتشغيل الكرونوغراف وإيقافه وإعادته إلى الصفر، لكنه يظل عادة مدفوناً تحت طبقات من المعدن في أي ساعة أخرى. في ميموريس، هذه العجلة مرفوعة إلى السطح مباشرة، مكشوفة بالكامل. الساعة تعمل بنظام "مونوبوشر" (زر واحد يتحكم بكل وظائف الكرونوغراف الثلاث: تشغيل، إيقاف، تصفير)، وهو تصميم أقدم وأكثر تعقيداً هندسياً من أزرار الكرونوغراف المزدوجة الشائعة اليوم. عند الضغط على الزر، تدور الأعمدة الستة أمام عينك مباشرة، تدفع كل رافعة (يوك) في مكانها الصحيح بتتابع ميكانيكي محسوب بدقة، بينما تنطلق عقارب التوقيت. المشهد أشبه بمسرح صغير من الفولاذ والذهب يعمل على معصمك في الوقت الفعلي.


تعمل الحركة بتردد ٢٨٬٨٠٠ اهتزازة في الساعة (٤ هرتز)، وتحمل ٣٤ جوهرة، مع احتياطي طاقة يصل إلى ٤٨ ساعة بفضل نظام تعبئة أطلقت عليه الدار اسم "إنرجي بلس". أما موضع عرض الوقت العادي، أي الساعات والدقائق، فقد أُزيح إلى الأسفل عند موضع الساعة السادسة، تاركاً النصف العلوي بالكامل مسرحاً حصرياً للكرونوغراف.


علبة من ذهب، وندرة مقصودة


ساعة لويس موانيه ميموريس نسخة الذهب الأبيض المحدودة بستين قطعة

اختارت لويس موانيه ألا تصنع ميموريس بأعداد كبيرة. كل إصدار من إصدارات المعدن الثمين، الذهب الوردي والذهب الأبيض، محدود بستين قطعة فقط عالمياً، وهو رقم يضع الساعة ضمن فئة الندرة الحقيقية حتى بمقاييس صناعة الساعات الفاخرة، لا الندرة التسويقية. علبة الساعة بقطر ٤٦ ملم مصنوعة بالكامل من ذهب عيار ١٨ قيراط، مع سوار من جلد التمساح ومقاومة ماء تصل إلى ٥٠ متراً، رقم متواضع نسبياً يذكّرك أن هذه ساعة مصممة لتُشاهَد وتُقدَّر، لا لتُغطس بها.


أما السعر، فيعكس هذه الندرة مباشرة. النسخة بالذهب الوردي، وهي المرجعية الأكثر تداولاً من ميموريس، تنطلق من نحو ٤٩٬٥٠٠ فرنك سويسري كسعر منشأ في سويسرا، أي ما يعادل تقريباً ٢٣٠ ألف ريال سعودي (نحو ٦١ ألف دولار أمريكي تقريباً، بحسب سعر الصرف وقت الشراء). وبحسب المرجع أو الوكيل، تختلف الأرقام النهائية قليلاً؛ بعض عينات ميموريس بالذهب الأبيض أو بإصدارات خاصة مثل "ريد إكليبس" (Red Eclipse) سُجّلت في السوق الثانوية بأسعار أعلى، تجاوزت ٦٦ ألف دولار أمريكي في بعض المراجع المتخصصة. الرقم يتحرك، لكن الفئة السعرية واحدة: ساعة تقف بثقة إلى جانب أسماء الهوت كوتور في صناعة الساعات السويسرية.


حين تصبح الآلية هي القصة


الفكرة الأعمق وراء ميموريس ليست في السعر ولا حتى في الندرة، بل في القرار الجذري الذي اتخذته الدار: أن تجعل من أكثر ما يُفترض إخفاؤه، أكثر ما يُعرض. صناعة الساعات، منذ قرون، بُنيت على مبدأ الغموض: كلما كانت الآلية مخفية أكثر، بدت الساعة أرقى وأكثر جدية. ميموريس تكسر هذا المنطق عمداً. هي لا تخبرك أن كرونوغرافها معقد، بل تُريك ذلك مباشرة، حركة بحركة، في كل مرة تضغط فيها على الزر.


وهنا بالضبط تكمن العلاقة الرمزية بين الساعة واسم الدار: موانيه، الذي يُنسب إليه اختراع الكرونوغراف قبل أكثر من قرنين، لم يكن يخفي أدواته، بل كان يبني أجهزة علمية لرصد حركة الكواكب، حيث الدقة والشفافية أهم من الزخرفة. ميموريس تستعيد هذه الروح بلغة القرن الحادي والعشرين: ساعة لا تطلب منك أن تثق بأن آلتها استثنائية، بل تضعها أمامك لتحكم بنفسك. وهذا، في صناعة بُنيت لقرون على الأسرار المغلقة، ربما يكون التمرد الحقيقي الوحيد المتبقي.


تنويه الأسعار: الأسعار المذكورة تقريبية بحسب سعر المنشأ في سويسرا وسعر الصرف وقت النشر، وقد تختلف حسب الوكيل أو الإصدار أو السوق الثانوية.

تنويه الصور: الصور رسمية من موقع لويس موانيه الرسمي؛ صورتا الغلاف والذهب الأبيض من مجموعة ميموريس الأساسية، وصورة الكاليبر من الحركة الرسمية LM54.

جميع الحقوق محفوظة 2026 - شبكة فياض

تأسست بقلم فياض الدوسري

تعليقات


bottom of page