جوكر كونستانتين تشايكين: ساعة الوجه الضاحك التي فازت بجائزة جنيف الكبرى
- فياض الفضل Fayadh Alfadhul
- 8 أغسطس
- 5 دقيقة قراءة
تخيّل نفسك تجلس على طاولة بوكر خضراء، أوراق اللعب مفرودة أمامك، وفجأة تلمح على معصم أحد اللاعبين وجهاً يحدّق فيك ويبتسم. عينان بيضاويتان تتحركان مع مرور الوقت، فم أحمر يمتد من طرف إلى طرف، ولسان يطل بخجل من زاويته. ليست وشماً، وليست دمية. إنها ساعة. وخلف تلك الابتسامة الغريبة تختبئ واحدة من أجرأ القصص في صناعة الساعات المستقلة خلال العقد الأخير.
في ربيع عام ٢٠١٧، وسط أروقة معرض بازل (بازل وورلد) الذي كان لا يزال يومها أهم محطة سنوية في عالم الساعات، وقف الساعاتي الروسي المستقل كونستانتين تشايكين (Konstantin Chaykin) أمام صحفيين حائرين. لم يكن يعرض ساعة تقيس الوقت بأناقة صامتة كما تفعل بيوت جنيف العريقة، بل ساعة تنظر إليك وتضحك معك. أطلق عليها اسماً لا يحتاج شرحاً: جوكر (Joker).
آلية جوكر: عينان تدوران وفم يبتسم

الفكرة بحد ذاتها انقلاب على كل ما ألفته صناعة الساعات في قراءة الوقت. بدلاً من عقارب تدور فوق ميناء تقليدي، اعتمد تشايكين على قرصين دائريين متجاورين يعملان بأسلوب الساعات المنظّمة الذي عرفته الساعات الجيبية قبل قرنين: القرص العلوي يدور كل ساعة ليكشف رقم الساعة عبر نافذة صغيرة تشبه حدقة العين، والقرص السفلي يدور كل ستين دقيقة بالطريقة نفسها. النتيجة عينان متحركتان فعلياً لا مرسومتان، تتغيران مع كل دقيقة تمر.
أما الفم فهو الجزء الأكثر تعقيداً في التصميم كله. تحت العينين مباشرة يقبع مؤشر أطوار القمر (مون فيز)، لكنه لم يُصمم كدائرة صغيرة في زاوية الميناء كما جرت العادة في صناعة الساعات، بل كقوس أحمر يرسم ابتسامة كاملة، ولسان أحمر بارز في وسطها يمثّل طور القمر نفسه وهو يتحرك ببطء عبر شهر قمري كامل. كل جزء وظيفي بحت، وكل جزء في الوقت نفسه تعبير على وجه. هذا هو التوقيع الذي بنى عليه تشايكين سلسلة كاملة عُرفت لاحقاً باسم "ريستمونز" (Wristmons)، ساعات الوجوه المتحركة، وكان جوكر أول أبطالها وأشهرهم حتى اليوم.
قلب ساعة كونستانتين تشايكين جوكر: عيار K.07-0

خلف تلك الواجهة الكرتونية تكمن هندسة جادة تماماً. يعتمد جوكر على عيار K.07-0، المبني على أساس حركة ETA 2824-2 السويسرية المعروفة بمتانتها وانتشارها، لكن تشايكين لم يكتفِ بالحركة الجاهزة كما هي. أضاف إليها وحدة من واحد وستين جزءاً صُنعت بالكامل داخل ورشته لتحويل عرض الوقت من عقارب تقليدية إلى نظام العينين المتحرك، إضافة إلى وحدة أطوار القمر التي تدور بعجلة من تسعة وخمسين سناً لتحقيق أعلى دقة ممكنة في تتبع الشهر القمري. الحركة الكاملة تحمل ثلاثة وثلاثين حجر ياقوت، تعمل بتردد ٢٨,٨٠٠ ذبذبة في الساعة، وتمنح احتياطي طاقة يقارب ٣٨ ساعة، وهي أرقام متواضعة على الورق لكنها كافية تماماً لساعة بُنيت لتُروى قصتها لا لتُقاس دقتها بالثانية.
الإطار الذي يلعب بأوراقه: بيزل جوكر ورموز الكوتشينة

العلبة نفسها مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ بقطر ٤٢ ملم وسماكة ١٣.٧ ملم، مزوّدة بزجاج ياقوت (سافاير) مضاد للانعكاس بقطر ٣٤.٥ ملم يحمي الميناء دون أن يحجب أياً من تفاصيله. لكن التوقيع الحقيقي للعلبة يكمن في الإطار الدوّار (بيزل): عشر نقشات محفورة بالليزر تمثّل رموز أوراق اللعب الفرنسية الأربعة، القلب والماس والنادي والبستوني، إلى جانب حرف J يتوّج الساعة الثانية عشرة إشارة إلى الجوكر نفسه، تلك الورقة التي لا تنتمي لأي فئة والتي تُخرج اللاعب من كل القواعد المتفق عليها. الرسوم محفورة بدقة فوق خلفية مطفية وأسطح مصقولة تبرز فوق مناطق الفرشاة والرمل في بقية العلبة، وكأن الساعة نفسها تلعب بأوراقها الخاصة قبل أن تُلعب على يد صاحبها. يكتمل المظهر بسوار من جلد التمساح بلون بنفسجي، مبطّن بجلد العجل وخيوط خضراء متباينة، مثبت بإبزيم فولاذي كلاسيكي، ضمن إصدار محدود لم يتجاوز تسعاً وتسعين قطعة نفدت بالكامل خلال أيام معرض بازل نفسها.
جائزة جنيف الكبرى: حين ضحكت الجرأة على الجدية

لم يكتفِ جوكر بإثارة إعجاب الزوار في بازل. بعد عام واحد فقط، قدّم كونستانتين تشايكين نسخة تطويرية من العائلة نفسها تحت اسم "كلاون" (Clown)، بوجه أبيض وعينين صفراوين وأنف أحمر مستدير، احتفاءً ساخراً بموجة أفلام الرعب التي اجتاحت السينما تلك السنة. في التاسع من نوفمبر عام ٢٠١٨، وقف تشايكين على منصة الجائزة الكبرى لصناعة الساعات في جنيف (Grand Prix d'Horlogerie de Genève، اختصاراً GPHG)، أرفع تكريم في عالم الساعات الفاخرة، ليستلم جائزة الجرأة (Audacity)، وليصبح بذلك أول ساعاتي روسي في التاريخ يفوز بجائزة من جنيف. لم تكن تلك مجرد جائزة تصميم، بل اعتراف رسمي بأن الساعة يمكن أن تكون مضحكة وجادة في آن واحد، وأن الجرأة في هذا العالم المحافظ تستحق منصة بحد ذاتها.
سعر ساعة الجوكر: من الإطلاق إلى السوق الثانوية
عند إطلاقه في عام ٢٠١٧ كان سعر جوكر يقارب ٣٠,٠٠٠ ريال سعودي (نحو ٨,٠٠٠ دولار أمريكي) قبل الضرائب، وهو رقم بدا وقتها جريئاً لساعاتي مستقل لم يكن معروفاً خارج الأوساط المتخصصة. لكن السنوات أثبتت أن الجرأة استثمار. اليوم، ومع نفاد الإصدار الأصلي بالكامل منذ سنوات، تتحرك أسعار جوكر في السوق الثانوية حول ٨٨,٥٠٠ ريال سعودي (نحو ٢٣,٦٠٠ دولار أمريكي)، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف سعر الإطلاق، بينما تتجاوز بعض الإصدارات النادرة من عائلة جوكر هذا الرقم بوضوح في المزادات المتخصصة ومنصات مثل كرونو ٢٤. هذا النوع من الارتفاع نادر لساعة لم تخرج من بيت سويسري تاريخي، بل من ورشة مستقلة أسسها رجل واحد في موسكو.
لماذا يخشى صنّاع الساعات رسم الابتسامة؟
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: لماذا لا يجرؤ الجميع على فعل ما فعله تشايكين؟ الإجابة أن رسم وجه على ميناء ساعة مخاطرة لا تُقاس بالمال وحده. صناعة الساعات الفاخرة تُبنى تاريخياً على الجدية، على فكرة أن الميكانيكا فن صامت يحترم نفسه، وأن أي انحراف نحو الفكاهة قد يُقرأ كاستخفاف بحرفة عمرها قرون. حين تمنح ساعة شخصية كرتونية، فأنت تخاطر بأن يراها الخبراء لعبة لا أداة قياس، وأن يرفضها جامعو الساعات الجادّون من اللحظة الأولى. لهذا تتجنب أغلب البيوت الكبرى هذا الطريق تماماً، وتترك الفكاهة لصناعة الساعات الرخيصة أو التذكارية.
لكن كونستانتين تشايكين قرأ المخاطرة بشكل معاكس. فهم أن كل قطعة في عالم الساعات المستقلة تحتاج توقيعاً لا يُنسى، وأن وجهاً يضحك على معصمك يبقى في الذاكرة أكثر من ميناء أنيق ومحايد. راهن على أن الجرأة، حين تُبنى فوق ميكانيكا حقيقية لا حيلة تسويقية، تصنع فناً بقدر ما تصنع ضحكة. وحين وقف على منصة جنيف عام ٢٠١٨، لم يكن يحتفل بجائزة فقط، بل بإثبات أن للساعة أن تبتسم دون أن تفقد جديتها كآلة ميكانيكية دقيقة تستحق أن تُعرف.
تنويه الأسعار: الأسعار المذكورة تقريبية بالريال السعودي والدولار الأمريكي وقت النشر، مبنية على سعر الإطلاق الرسمي وأسعار متداولة في السوق الثانوية المتخصصة، وقد تختلف الأسعار الفعلية حسب الحالة والندرة والموزع.
ملاحظة بشأن الصور: جميع الصور المستخدمة في هذا المقال هي ملك لأصحابها الأصليين من الموقع الرسمي لكونستانتين تشايكين ومصادر متخصصة موثوقة. تم الاستعانة بها لأغراض إعلامية وتحريرية فقط، ولا تدّعي شبكة فياض ملكيتها. جميع حقوق التصوير والنشر محفوظة لأصحابها الأصليين.
جميع الحقوق محفوظة 2026 - شبكة فياض
تأسست بقلم فياض الدوسري
المعلومات الواردة مستندة إلى مصادر موثّقة ومُحكّمة، من بينها الموقع الرسمي لكونستانتين تشايكين والجائزة الكبرى لصناعة الساعات في جنيف.




تعليقات