فولكسفاقن بين خسارة الكهربائية وغرامة أوروبا: ٦.٦ مليار ريال على ثلاث سنوات
- فياض الفضل Fayadh Alfadhul
- 5 مايو
- 6 دقيقة قراءة

مقدمة
في مكالمة نتائج الربع الأول من ٢٠٢٦، خرج المدير المالي والتشغيلي لـ مجموعة فولكسفاقن (Volkswagen Group)، أرنو أنتليتس (Arno Antlitz)، بجملة قصيرة لخّصت أزمة الصناعة الأوروبية كاملة: المجموعة تعرف أنها ستدفع غرامة قدرها ٦.٦ مليار ريال سعودي تقريباً (نحو ١.٧٥ مليار دولار) خلال السنوات الثلاث ٢٠٢٥ – ٢٠٢٧، بسبب تجاوزها سقف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي حدّده الاتحاد الأوروبي. هذا ليس سيناريو متشائم، بل خط أساس في الميزانية.
الأخطر من الرقم نفسه أن أنتليتس وضع المعادلة بصراحة لا نسمعها كثيراً من شركات بهذا الحجم: المجموعة تختار يومياً بين أن تخسر مالاً على الغرامة، أو أن تخسره على هامش بيع السيارات الكهربائية بأقل من تكلفتها الفعلية. الطريقان يقودان إلى الخسارة، والسؤال أصبح: أيّهما أرخص؟ في هذا التقرير أفكّك الفاتورة، أتتبّع لماذا حتى آي دي بولو القادمة لن تكفي، وماذا يعني هذا كله للمشتري الخليجي الذي يقف خارج هذه المعادلة.

المعضلة: الخسارة على الجهتين
اقتباس أنتليتس الحرفي يستحق التأمل: "نحن نوازن بين المال الذي نخسره بسبب غرامة ثاني أكسيد الكربون، والمال الذي نخسره بسبب فقدان الهامش في السيارات الكهربائية مقارنة بسيارات الاحتراق." بترجمة عملية، السيارة الكهربائية اليوم في مجموعة فولكسفاقن تُباع بهامش أقل بكثير من نظيرتها العاملة بمحرك احتراق داخلي. كل وحدة كهربائية إضافية تُدفع للسوق بقصد خفض متوسط انبعاثات الأسطول هي وحدة تأكل من ربحية الشركة.
في المقابل، إن لم تُدفَع هذه الوحدات، فإن متوسط الانبعاثات يتجاوز السقف، وتتحرك آلية الغرامة الأوروبية تلقائياً. النتيجة: المجموعة محاصرة بين خسارتين محاسبيتين، لا مفرّ منهما على المدى القصير. هذه ليست أزمة إدارة سيئة بقدر ما هي أزمة بنية تنظيمية: الجدول الزمني الذي رسمته بروكسل أسرع من الجدول الزمني الذي يستطيع المصنّعون فيه تحقيق ربحية كهربائية حقيقية.
٦.٦ مليار ريال: تشريح الفاتورة
الرقم الإجمالي ٦.٦ مليار ريال يتوزّع على ثلاث سنوات مالية. الإدارة تتحدّث عن نطاق سنوي يتراوح بين ١.٣ مليار ريال و٢.٢ مليار ريال سنوياً، يدخل مباشرة كبند خصم من الأرباح التشغيلية. هذا التذبذب ليس عشوائياً، فهو يعكس ثلاثة عوامل متغيّرة: حصة الكهربائية في مزيج المبيعات، أسعار شهادات الانبعاثات داخل تجمّعات الـ pooling، وحجم الأسطول المباع داخل أوروبا.
من الناحية المحاسبية، هذه الغرامة لا تختلف عن أي مخصّص قانوني (legal provision) آخر، لكن أثرها على القرار التشغيلي ضخم. المجموعة لم تعد تخطط للسنوات الثلاث القادمة بمنطق "كم سيارة سنبيع وبأي هامش"، بل بمنطق "كم وحدة كهربائية يجب أن نبيع، حتى لو بخسارة، لكي نقلّص الغرامة إلى أقل قيمة ممكنة". هذا تحوّل جوهري في فلسفة التخطيط، وأثره يمتد لما هو أبعد من الغرامة نفسها.
للسياق، ٢.٢ مليار ريال سنوياً هو رقم قابل للمقارنة مع ميزانية تطوير منصّة كاملة، أو مع تكلفة مصنع بطاريات متوسط الحجم. أي أن المجموعة تدفع كل سنة ما يكفي لتمويل قفزة تقنية، لكنها تدفعه كغرامة بدلاً من أن تستثمره في خفض تكلفة الوحدة. هذه واحدة من أعنف نتائج التشريع الراهن: المال يخرج من الشركة دون أن يعود في صورة بنية تحتية أو هامش مستقبلي.

الحلول التي لن تكفي
السلاح الأول في الترسانة هو آي دي بولو، التي تُطلَق في عام ٢٠٢٦ كنسخة كهربائية كاملة من البولو الأشهر في تاريخ المجموعة. السلاح الثاني هو موديل كهربائي أصغر وأرخص مخطّط له في ٢٠٢٧. على الورق، هذان الموديلان يجب أن يرفعا حصة الكهربائية في الأسطول بشكل ملموس.
لكن أنتليتس قال بوضوح إن المجموعة، حتى مع هذين الموديلين، لن تستطيع بلوغ المستهدف الأوروبي للأسطول كاملاً. لماذا؟ لأن المعادلة ليست مجرد إضافة موديلات، بل تتعلق بسرعة تبنّي السوق، وبمدى استعداد المستهلك الأوروبي لدفع الفارق السعري بين كهربائية ونظيرتها التقليدية. الطلب الطبيعي يسير بإيقاع أبطأ من الإيقاع الذي تفرضه التشريعات. والنتيجة أن الفجوة تُسدّ جزئياً بالغرامة، وجزئياً بخسائر الهامش، وليس بنمو السوق العضوي وحده.

لماذا الكهربائية لا تربح: منصة SSP والأمل البعيد
السبب الجوهري وراء فجوة الهامش يتعلق بالتقنية والمنصات. السيارات الكهربائية الحالية في فولكسفاقن مبنية على منصة MEB، وهي منصة طوّرتها المجموعة في وقت كانت فيه تكاليف البطاريات أعلى وحجم الإنتاج أقل. هذه المنصة، رغم نضجها، لا تقدّم نفس وفورات الحجم التي تقدّمها المنصات التقليدية لمحركات الاحتراق.
الأمل الحقيقي في إغلاق الفجوة معلّق على منصة SSP الجديدة (Scalable Systems Platform)، وهي منصة موحّدة من المفترض أن تخدم العلامات الست الكبرى في المجموعة (فولكسفاقن، أودي، بورش، سكودا، سيات، كوبرا)، وتخفّض تكلفة الوحدة بشكل كافٍ ليقترب الهامش الكهربائي من هامش الاحتراق. لكن أنتليتس قال إن هذا التقارب لن يحدث قبل نهاية العقد الحالي، أي حوالي ٢٠٣٠.
في هذه الأثناء، الإدارة تتوقّع أن تأتي آي دي بولو القادمة بهامش ربح يبلغ ٧٠ إلى ٨٠ بالمئة فقط من هامش تي-كروس (T-Cross) الحالية. بصياغة أبسط، كل آي دي بولو تُباع بدلاً من تي-كروس تعني خسارة محاسبية تصل إلى ٢٠ – ٣٠ بالمئة من الربح المعتاد. هذا ليس عيباً في المنتج، بل واقع اقتصادي للجيل الكهربائي الحالي.

السوق الأوروبي: ١ من ٥ كهربائية
الصورة الأوسع أن السوق الأوروبي يتحرّك. بيانات الرابطة الأوروبية لصناع السيارات (ACEA) تشير إلى أن السيارات الكهربائية بلغت ٢٠.٦ بالمئة من تسجيلات السيارات الجديدة في أوروبا خلال الربع الأول من ٢٠٢٦. أي أن سيارة من كل خمس مبيعة جديدة هي كهربائية بالكامل.
ضمن هذا السياق، نمت مبيعات فولكسفاقن الكهربائية بنسبة ١١.٥ بالمئة مقارنة بالربع الأول من ٢٠٢٥، وبلغت ١٧٦,٤٠٠ وحدة. النسبة الأعلى تحققت في غرب أوروبا تحديداً، حيث تصرّح المجموعة بأن نحو سيارة من كل خمس تبيعها في تلك المنطقة كهربائية. هذه ليست أرقاماً متواضعة، بل تجعل فولكسفاقن من أكبر بائعي الكهربائية بحجم مطلق في القارة.
التناقض: نمو ومع ذلك خسارة
هنا يكمن التناقض الذي يستحق التوقف عنده. المجموعة تنمو في الكهربائية بأرقام مزدوجة الخانة، السوق الأوروبي يتوسّع، الحصة فوق ٢٠ بالمئة، ومع ذلك المجموعة تخسر مالياً على الجبهتين. كيف يجتمع النمو والخسارة في نفس الجملة؟
الإجابة في تصريح آخر لأنتليتس قاله بصراحة: المجموعة مضطرة لأن تبيع "سيارات كهربائية أكثر من الطلب الطبيعي في أوروبا" لكي تحقّق مستهدفها التنظيمي. أي أنها تخفّض السعر، تقدّم عروضاً، وتدفع بالأسطول دفعاً ليتجاوز ما يطلبه السوق فعلياً. كل وحدة إضافية فوق الطلب الطبيعي تُباع بهامش رقيق أو سالب. النمو إذاً ليس مؤشّراً على نجاح تجاري بالمعنى التقليدي، بل مؤشّر على امتثال تنظيمي مكلف.
هذا التشخيص لا يخصّ فولكسفاقن وحدها. ستيلانتيس، رينو، حتى بي إم دبليو ومرسيدس، كلها تواجه نسخة من نفس الورطة بدرجات متفاوتة. الفرق أن فولكسفاقن، بحجم أسطولها، تحمل أكبر الفاتورة المطلقة.

الزاوية الخليجية
من زاوية المشتري السعودي والخليجي، هذه القصة تبدو من الخارج مختلفة جذرياً. المشتري في الرياض أو الدمام أو دبي ليس ملزماً بأي سقف انبعاثات أوروبي، ولا يدفع ضرائب كربون مدمجة في السعر، ولا يحتاج إلى تبرير اختياره أمام جدول زمني تشريعي. اختياره بين الكهربائية والاحتراق مبني على ثلاثة عوامل بسيطة: السعر الإجمالي للملكية، البنية التحتية للشحن، والأداء في درجات الحرارة العالية.
الحقيقة التي تكشفها أرقام فولكسفاقن هي أن السوق الأوروبي نفسه، ورغم كل الدعم والضرائب التحفيزية، لم يصل بعد إلى نقطة تكون فيها الكهربائية رابحة بنفس مستوى الاحتراق. هذا يعني أن المشتري الخليجي الذي يتأنّى في الانتقال إلى الكهربائية يتصرّف بمنطق اقتصادي سليم، لا بتأخّر ثقافي. هو ينتظر أن تنضج التقنية، أن تنخفض تكلفة البطاريات، وأن تكتمل البنية التحتية للشحن قبل أن يدفع علاوة سعرية لا يدفعها مقابل قيمة مكافئة.
في الوقت نفسه، خسارة المصنّعين الأوروبيين على الكهربائية لها وجه إيجابي للمشتري الخليجي: سيارات مثل آي دي بولو وآي دي ٤ ستصل إلى الأسواق الخليجية، إن وصلت، بأسعار تعكس استعجال المجموعة لتحريك المخزون، لا بأسعار تعكس هامشاً صحياً. المتأنّي في الشراء قد يجد فرصاً أفضل خلال السنتين القادمتين.
العلامات الفاخرة التابعة للمجموعة (أودي، بورش، بنتلي، لامبورقيني، بوقاتي) تعيش نسخة أخف من نفس الضغط، لأن هامشها الأصلي أوسع، وقدرتها على امتصاص فجوة الكهربائي أعلى. هذا يفسّر جزئياً لماذا ترى أودي تتقدّم بطرازاتها الكهربائية بثقة أكبر من فولكسفاقن العلامة الأم. أما المشتري الخليجي للعلامات الفاخرة، فمعادلته لا تتغيّر كثيراً: السعر مقبول، الأداء مرضٍ، والكهربائية أو الاحتراق مسألة ذوق أكثر منها مسألة جدوى.
الخلاصة
ما يحدث في مجموعة فولكسفاقن ليس قصة شركة فاشلة، بل قصة شركة ناجحة عملياً تُجبَر على دفع فاتورة قرارات تنظيمية اتُّخذت في عاصمة أخرى. ٦.٦ مليار ريال على ثلاث سنوات هو رقم كبير حتى لشركة بحجم أسطول فولكسفاقن، وهو يأتي فوق خسائر الهامش التشغيلية، لا بدلاً منها.
السؤال الذي يطرحه أنتليتس بشكل غير مباشر: هل يعقل أن يُحاسَب المصنّع على إيقاع لا يستطيع المستهلك مجاراته؟ هذا سؤال جدير بالنقاش، ولا توجد إجابة بسيطة عليه. ما هو واضح أن السنوات الخمس القادمة، حتى وصول منصة SSP حوالي ٢٠٣٠، ستكون الأكثر إيلاماً مالياً للمصنّعين الأوروبيين الكبار. ومن منظور خليجي، يبقى التأنّي قراراً مشروعاً، بل قد يكون القرار الأكثر اقتصادياً اليوم.
تنويه: هذا المقال تحليل صحفي مبني على تصريحات علنية صادرة عن المدير المالي والتشغيلي لـ مجموعة فولكسفاقن أرنو أنتليتس خلال مكالمة نتائج الربع الأول من ٢٠٢٦، وعلى بيانات منشورة من الرابطة الأوروبية لصناع السيارات (ACEA). الأرقام المالية محوّلة إلى الريال السعودي وفق سعر صرف ١ دولار = ٣.٧٥ ريال. لا يُعدّ المقال نصيحة استثمارية، ولا يعكس بالضرورة موقف المجموعة الرسمي. جميع العلامات التجارية المذكورة تعود لأصحابها.
ملاحظة بشأن الصور: جميع الصور المستخدمة في هذا المقال هي ملك لأصحابها الأصليين من مواقع ووكالات إعلامية متخصصة. تم الاستعانة بها لأغراض إعلامية وتحريرية فقط، ولا تدّعي شبكة فياض ملكيتها. جميع حقوق التصوير والنشر محفوظة لأصحابها الأصليين.
جميع الحقوق محفوظة 2026 - شبكة فياض
تأسست بقلم فياض الدوسري
المعلومات الواردة مستندة إلى مصادر موثّقة ومُحكّمة.




تعليقات