السيارات الكهرباء كلفت الصناعة ١١٨ مليار دولار: من الأكثر خسارة
- فياض الفضل Fayadh Alfadhul
- 3 مايو
- 5 دقيقة قراءة

أنا أتابع هذا القطاع من سنوات، واللي شفته في الأرقام الأخيرة ما يحتاج تأويل: الصناعة العالمية للسيارات الكهربائية (EV) خسرت ما يفوق ١١٨ مليار دولار (حوالي ٤٤٢.٥ مليار ريال) مجتمعة على رهانها الكهربائي. هذا الرقم ليس تقديراً صحفياً، بل مجموع شطوبات محاسبية (write-downs) معلنة وتدفقات نقدية حقيقية احترقت في دفاتر الشركات.
اللي يلفت أكثر أن أكثر من ٦٥ مليار دولار من هذه الخسائر تركّزت في السنة الأخيرة وحدها. الرهان اللي بُني بين ٢٠٢٠ و٢٠٢٤ كان مبنياً على افتراض أن الانتقال للكهرباء سيكون أسرع وأكثر اتساعاً مما حدث فعلياً. الواقع جاء بإيقاع مختلف: المستهلك الأمريكي والأوروبي تباطأ، الفائدة المرتفعة ضربت أسعار التمويل، والمصانع الجديدة فُتحت بطاقة إنتاجية أكبر من الطلب.
في رأيي، الصورة الكاملة تشمل ثلاثة محاور: تكلفة البحث والتطوير (R&D) الباهظة، الاستثمار الضخم في بناء المصانع وخطوط البطاريات، ثم الضغط المباشر من الشركات الصينية مثل بي واي دي (BYD) وقيلي (Geely) وزيكر (Zeekr) اللي تدخل أسواق جديدة بأسعار ما تقدر الشركات الغربية تجاريها. هذه ليست قصة فشل واحد، بل بيئة كاملة أعادت ترتيب الأولويات.
في هذا المقال، رتّبت الست شركات الأكثر تأثراً من الأقل خسارة للأكبر، ثم حلّلت الأسباب الفعلية وراء هذا التحوّل، وأخيراً وقفت عند ما يعني هذا للسوق الخليجي تحديداً.
هوندا، الأقل خسارة

هوندا اليابانية خرجت بأخف الخسائر بين الستة الكبار: شطب يقارب ١.٧ مليار دولار (حوالي ٦.٤ مليار ريال)، ويصل في بعض التقديرات إلى ١.٩ مليار دولار. السبب مباشر: قرار الشركة بإعادة توجيه عدد من برامج EV المخططة نحو السيارات الهجينة بدلاً من الكهربائية بالكامل.
اللي يميّز هوندا أنها لم تكن من أكثر الشركات اندفاعاً في رهانها الكهربائي أصلاً. هذه التحفظ النسبي خفّف عليها الفاتورة. التحويل نحو الهجين قراءة منطقية للسوق الذي ما زال يفضّل التدرّج، خصوصاً في الأسواق اللي يعتمد فيها المشتري على المسافات الطويلة وقلة محطات الشحن.
جنرال موتورز

جنرال موتورز سجّلت شطباً محاسبياً (write-down) بقيمة ٧.١ مليار دولار (حوالي ٢٦.٦ مليار ريال)، منها نحو ٦ مليار دولار مرتبطة مباشرة بانكماش الطلب على EV وإلغاء عقود توريد كانت قائمة.
الشركة بنت رهانها على منصة Ultium وعلى موديلات مثل سلفرادو EV وبليزر EV وإكوينوكس EV. الإطلاقات نفسها لم تفشل تقنياً، لكن وتيرة التبني جاءت أبطأ مما خططت له الإدارة، فاضطرت لتعديل توقعاتها وإعادة التسعير الداخلي للأصول.
لوسيد

لوسيد، الشركة الناشئة المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، أحرقت تدفقاً نقدياً حراً (free cash flow) تراكمياً يقارب ٨.٨ مليار دولار (حوالي ٣٣ مليار ريال) منذ ٢٠٢٢. هذا الرقم لا يعني خسارة محاسبية بنفس معنى الشطب، لكنه يقيس النقد الفعلي اللي خرج من خزينة الشركة دون أن يعود.
لوسيد تصنع منتجاً لافتاً تقنياً (إير وإير سافاير وقريباً قرافيتي)، لكنها تتحرك في شريحة فاخرة محدودة الحجم، وتواجه تحدي رفع وتيرة الإنتاج دون التضحية بالجودة. الدعم السعودي يعطيها هامشاً أطول من غيرها، لكن السؤال يبقى: متى تتحول إلى ربحية تشغيلية فعلية؟
ريفيان

ريفيان أحرقت تدفقاً نقدياً حراً تراكمياً يقارب ١٦ مليار دولار (حوالي ٦٠ مليار ريال) منذ ٢٠٢٢. الشركة بنت موقعها على بكب R1T و SUV R1S وعقد مع أمازون لشاحنات التوصيل الكهربائية.
المنتج محبوب من المستخدمين، خصوصاً في فئة المغامرين والـ outdoor. لكن تكلفة بناء مصنع نورمال في إلينوي وتطوير المنصة الثانية R2 أكلت من رأس المال أكثر مما توقعت الإدارة. الشركة تراهن على أن R2 الأرخص (تحت ٥٠ ألف دولار) سيوسّع القاعدة، لكن هذا اختبار حقيقي لقدرتها على الوصول لنقطة التعادل.
ستيلانتيس

ستيلانتيس، المجموعة اللي تضم جيب ودودج وكرايسلر وفيات وبيجو وألفا روميو، سجّلت أعباء بقيمة ٢٢ مليار يورو، أي ما يقارب ٢٦ مليار دولار (حوالي ٩٧.٥ مليار ريال) ضمن إعادة هيكلة استراتيجية (strategy reset) كاملة لمحفظة منتجاتها الكهربائية.
هذه الإعادة شملت تأجيل بعض الموديلات، إلغاء أخرى، وإعادة توزيع الاستثمار بين الكهربائي والاحتراق التقليدي. الشركة وجدت نفسها مع علامات تجارية متعددة وأسواق متباينة، وكان عليها أن تختار: تخفّف من الاندفاع وتحافظ على الربحية، أو تستمر بنفس الوتيرة وتغامر بمزيد من الخسائر. اختارت الأول.
فورد، الأكبر خسارة

فورد تتصدر القائمة بخسائر إجمالية تقارب ٣٥.١ مليار دولار (حوالي ١٣١.٦ مليار ريال) على نشاطها الكهربائي، تشمل شطباً محاسبياً (write-down) بقيمة ١٩.٥ مليار دولار. هذا أكبر رقم في القائمة، وأكبر اعتراف علني من شركة سيارات أمريكية كبرى بأن رهانها الكهربائي جاء بتكلفة فاقت العائد حتى الآن.
فورد قسّمت نشاطها داخلياً إلى وحدة Model e للكهربائي، وكان واضحاً منذ ٢٠٢٣ أن الوحدة تخسر مليارات على كل سنة مالية. F-150 لايتنينج وموستانج ماك إي منتجات قوية في حد ذاتها، لكن تكلفة البطاريات وإعادة هندسة المصانع ابتلعت الهامش. الشركة الآن تعيد توزيع الاستثمار نحو الهجين والمنصات الأصغر.
السبب الحقيقي وراء الخسائر

اللي شفته في الأرقام: ما في سبب واحد، في أربعة أسباب تتحرك معاً.
الأول، تكلفة البحث والتطوير (R&D). تطوير منصة كهربائية مستقلة، نظام بطاريات، برمجيات قيادة، وبنية شحن، يكلف عشرات المليارات قبل بيع سيارة واحدة. الشركات الكبرى دخلت هذا السباق مع بعض دون تنسيق، فتضاعفت الكلفة على مستوى الصناعة.
الثاني، بناء المصانع. كل شركة احتاجت خطوط إنتاج بطاريات جديدة، شراكات مع موردين، ومصانع تجميع منفصلة عن خطوط الاحتراق التقليدي. هذه استثمارات طويلة الأجل بعوائد لا تتحقق إلا بعد سنوات من البيع المستقر.
الثالث، تباطؤ الطلب في الولايات المتحدة وأوروبا. الفائدة المرتفعة، ارتفاع أسعار EV الجديدة، والقلق من قيمة إعادة البيع، دفعت الكثير من المشترين للعودة للهجين أو الاحتفاظ بسياراتهم الحالية. خطط الإنتاج كانت مبنية على نمو أسرع.
الرابع، الضغط الصيني. بي واي دي (BYD) وقيلي (Geely) وزيكر (Zeekr) يقدمون منتجات بمستوى تقني مرتفع وأسعار ما تقدر الشركات الغربية تجاريها بسبب فروقات هيكلية في سلسلة التوريد والإنتاج. هذا واحد من العوامل، وليس العامل الوحيد، لكنه يضغط على الهامش في كل سوق تدخله الصين.
وش يعني هذا للخليج؟

السوق الخليجي تعامل مع الموجة الكهربائية بهدوء واضح. المشتري الخليجي ما اندفع وراء التحوّل، فضّل الهجين أو بقي على الاحتراق التقليدي، وتعامل مع التقنية الجديدة بفضول لا بحماسة.
في رأيي، هذا التحفظ أعطى المنطقة بيئة محصّنة من بعض هذه الخسائر. الموزعون لم يكدّسوا مخزوناً فائضاً، والمشتري لم يدخل في موجة استبدال متسرعة. هذا يعني الآن أن الخليج يدخل المرحلة القادمة بميزانية تفاوضية أفضل.
ما الذي يجب أن يلاحظه المشتري الخليجي؟
أولاً، ضغط الأسعار. الشركات اللي خسرت ستحاول تسريع المبيعات في أسواق النمو، والخليج من بين هذه الأسواق. توقع عروضاً أكثر جاذبية من فورد وجنرال موتورز وستيلانتيس على موديلاتها الكهربائية في ٢٠٢٦ و٢٠٢٧.
ثانياً، التوسع الصيني. بي واي دي وقيلي وزيكر يدخلون الخليج بقوة عبر موزعين محليين، وأسعارهم تضع ضغطاً مباشراً على البدائل الأمريكية والأوروبية. السوق سيستفيد من هذا التنوع.
ثالثاً، البنية التحتية. السعودية والإمارات تواصلان توسيع شبكات الشحن، وهذا يقلل من قلق المسافات الطويلة الذي عطّل التبني سابقاً. الرياض والدمام وجدة بدأت تشاهد محطات شحن سريع على المحاور الرئيسية.
رابعاً، الهجين كخيار وسط. هوندا اللي كانت الأقل خسارة هي اللي تحوّلت نحو الهجين. هذا يعني أن السوق الخليجي اللي ما زال يفضل الهجين في خيار صحيح من حيث التوقيت، وقد يكون الجسر الأنسب لخمس سنوات قادمة قبل الانتقال الكامل.
رأيي

أنا ما أرى في هذه الأرقام دليلاً على فشل السيارة الكهربائية. أراها دليلاً على أن التوقيت كان مبكراً، وأن الصناعة قرأت الطلب أكثر مما هو فعلياً.
كل شركة من هذه الست رهنت رأس مال ضخم على افتراض أن الانتقال سيكتمل خلال عقد. الواقع يقول الانتقال يحدث، لكنه يحدث بإيقاع أهدأ، ومع وجود بدائل (الهجين، الهيدروجين في بعض القطاعات، استمرار الاحتراق في الأسواق الناشئة).
الخاسر الأكبر اليوم ليس بالضرورة الخاسر الأكبر بعد خمس سنوات. فورد، رغم خسائرها، تعدّل استراتيجيتها بسرعة. ستيلانتيس بإعادة هيكلتها قد تخرج أخف من قبل. لوسيد وريفيان عندهما منتجات تقنية متفوقة، والسؤال هو إدارة النقد لا الإبداع.
اللي أريد قوله للقارئ الخليجي: لا تعامل هذه الأخبار كإشارة بأن الكهربائية انتهت. عاملها كإشارة بأن سوق المشترين اقترب، وأن الفرص التفاوضية في الأشهر القادمة ستكون أفضل بكثير مما كانت عليه في ٢٠٢٢ و٢٠٢٣.
كانت قفزة مبكرة، أو السوق ما كان جاهز؟ شاركنا في التعليقات.
تنويه الأسعار: جميع الأسعار الواردة في هذا المقال مستندة إلى الأسعار المعلنة من الشركة المصنّعة وقت النشر، ولا تشمل رسوم الشحن أو الاستيراد أو الضرائب أو أي تكاليف إضافية. قد تختلف الأسعار الفعلية في السوق.
ملاحظة بشأن الصور: جميع الصور المستخدمة في هذا المقال هي ملك لأصحابها الأصليين من مواقع ووكالات إعلامية متخصصة. تم الاستعانة بها لأغراض إعلامية وتحريرية فقط، ولا تدّعي شبكة فياض ملكيتها. جميع حقوق التصوير والنشر محفوظة لأصحابها الأصليين.
جميع الحقوق محفوظة 2026 - شبكة فياض
تأسست بقلم فياض الدوسري
المعلومات الواردة مستندة إلى مصادر موثّقة ومُحكّمة.




تعليقات